سهيلة عبد الباعث الترجمان

468

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

عربي كغيره من الصوفية الذين حاولوا الوصول إلى باطن الوحي ومعناه الكلي « 1 » . لذلك أعلن صراحة أنه ليس هناك دين أرفع من دين الحب والشوق إلى اللّه ، فالحب هو خلاصة النّحل جميعها ، والصوفي الصادق هو من رحّب بدين الحب أنّى توجه ، وعلى أيّ صورة تبدّى لذا قال : " لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي ، . . . إذا لم يكن دينه إلى ديني داني . . . " فيكون والحالة هذه أن الحب هو أصل كل عبادة وسرّها ، بل وجوهرها ، إذ لا معبود إلّا وهو محبوب ، والمعبود والمحبوب عين واحدة ، لذا يتجه نحو حبيب طبيعي مطلق من حيث مميزاته وتعريفاته . وقد جعل موطن هذا الحب في القلب القابل لكل صورة من صور تجليه المتعددة فقال : " لقد صار قلبي قابلا كل صورة . . . " . هكذا يميز ابن عربي بين الإله المعتقد به سواء في صورته المطلقة أو المقيدة ، إذ لا ظهور له إلّا فيما يعتقده العبد ، فالاعتقاد والتخيل وسائل ظهوره لأن حقيقته لا يسعها إلّا القلب حتى تظهر كما هي ، ويستند في ذلك إلى الحديث القدسي " لا يسعني أرضي ولا سمائي ويسعني قلب عبدي المؤمن " « 2 » وقوله " أنا عند ظن عبدي بي " « 3 » لا أظهر له إلا في صورة معتقده ، فإن شاء أطلق ، وإن شاء قيّد ، فإله المعتقدات تأخذه الحدود ، وهو الإله الذي وسعة قلب عبده ، فإن الإله المطلق لا يسعه شيء لأنه عين الأشياء ، وعين نفسه ، والشيء لا يقال فيه يسع نفسه ولا يسعها " « 4 » ويوضح القاشاني مدلول ذلك بأن قول الحق " أنا عند ظن عبدي " فهو دلالة واضحة على إحاطته بكل شيء ، بأحديته المطلقة ، ومن شأن الإطلاق أن لا يغيب عنه شيء ، فهو يحيط بجميع الصور من حسية وخيالية ووهمية وعقلية وظنية وعلمية ، وعليه فإن ظن العبد في معتقده مهما تنوع ، وعلى أي صورة وجد ، فإن اللّه هو الظاهر بصورة ذلك المعتقد ،

--> ( 1 ) نصر ( سيد حسين ) ، ثلاثة حكماء مسلمين ، مرجع سابق ، ص 152 . ( 2 ) الحديث : سبق تخريجه . ( 3 ) الحديث : عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : قال اللّه عز وجل : " أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني . . . ومن تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا " . وروي في الصحيحين : وأنا معه حين يذكرني متفق عليه رواه مسلم والبخاري ، والترمذي والدارمي وأحمد بن حنبل . ( 4 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 226 .